أنهت النسخة الخامسة والثلاثون لكأس أمم أفريقيا المنظمة بعلامات الجودة والإبهار بالمغرب دور المجموعات، الذي يمثّل لأي بطولة مجمّعة، محطة لكشف النوايا وإبراز الهويات وتقديم وثائق السفر إلى حيث الدهشة حيناً والوجع حيناً آخر، أدوار خروج المغلوب، أو ما نُطلق عليه أحياناً مرحلة كسر العظام.
من أصل 24 منتخباً، وقفوا عند بداية السير، لم يتبقَ وقد انقضى من البطولة دور الغربلة سوى 16 منتخباً، سيكون بينهم طبعاً مَنْ ستوضع على صدره وشاحات التميز ويسلّم باليد الكأس الذهبية، ليصبح للعامين المقبلين سيد القارة وبطلها الكبير.
طبعاً، من رشّحوا منتخب المغرب، لم يحبطهم دور المجموعات، وقد تسيّد الأسود مشهد الترويض، بتصدّر مجموعتهم بسبع نقاط وبرصيد عالٍ من الثقة، برغم ما كان من حشرجة وتثاؤب في مباراة مالي تحديداً. ومَنْ قالوا إن منتخب أسود التيرانجا الذي يتسيّد المشهد الأفريقي منذ تتويجه بطلاً في دورة الكاميرون، سيكون علامة فارقة في المونديال القاري بنسخته الحالية، أبداً لم يخب ظنهم وزملاء ساديو ماني يديرون بكل جدارة المجموعة الرابعة، برغم الذي شاهدوه من فهود الكونغو من إصرار وجرأة على تغيير التضاريس وقلب الموازين.
إلا أن أجمل ما انتهى إليه دور المجموعات، هو أن 5 منتخبات عربية من أصل الـ6، نجحت بدرجات متفاوتة في الأهلية والجسارة في عبور نهر التماسيح، قد تكون سعادتنا غامرة بتخطّي صقور الجديان لهذا الدور وهو القادم من سودان الوجع، لكي يزرع السعادة في القلب الحزين، ويضع ابتسامة على وجوه ترتجف من فرط الأنين، إلا أن المغرب خيمة العرب التي تتوسط المحيط، لعب دوراً كبيراً في جعل المنتخبات العربية على حد سواء، تشعر بأن عواصمها اجتمعت في رباط الأنوار.
ولأن المسالك ستصبح أكثر وعورة بدخول البطولة الدور ثُمن النهائي اعتباراً من يوم السبت القادم، فإن المنتخبات العربية الـ5 التي تتشعب طرقها وتتباين قدرات منافسيها، لا بدّ وأن تستحضر ما أعتبره شخصياً، ثلاثية النجاح في اختبار كرة القدم، التركيز العالي، النجاعة القوية وحفظ التوازن.
لا يخامرني، وكل مَنْ يعيش في كنف البطولة، شكٌّ بأن النسخة الخامسة والثلاثين، أصبحت من قبل أن تسدل ستارتها، لحظة فارقة في تاريخ كأس أمم أفريقيا، وقد اجتمع في جاذبيتها وجماليتها ما تفرّق في غيرها، إلا أنني لا أتمنى أن يكون الزمن الأفريقي الحالي استثناءً، بل قاعدة في عُرف العمل، تماماً كما أتمنى أن نقرن هذا التنظيم المبهر للبطولة بتتويج عربي، فتلك هي البطولة الحقيقية التي يسعى إليها الجميع، ولو أنني أرى أن من يتمثل شخصية البطل بين المنتخبات العربية الخمسة هو منتخب المغرب.. فأين العجب؟.